ترى الكاتبة سمية الغنوشي أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد تتحول إلى أخطر مغامرة جيوسياسية تخوضها واشنطن في العصر الحديث، إذ قد تدفع قوة عظمى إلى تجاوز حدود قدرتها الفعلية. وتوضح الغنوشي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ظلّ طوال أكثر من عقدين يحذر من مواجهة حتمية مع إيران، ويدفع باتجاهها في المحافل الدولية من واشنطن إلى الأمم المتحدة، حتى أصبحت هذه المواجهة واقعاً عسكرياً مباشراً تدعمه القوة الأميركية الكاملة.
ينشر موقع ميدل إيست آي هذا التحليل الذي يرى أن الحرب الحالية لا تمثل مجرد ضربة محدودة أو استعراض قوة محسوب، بل مواجهة خطرة لم تنشأ نتيجة تهديد وشيك للولايات المتحدة، ولا حظيت بموافقة الكونجرس أو الأمم المتحدة. ويشير المقال إلى أن دوافع الحرب ترتبط برؤية إسرائيلية تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسياً واستراتيجياً.
خطاب الحرب يتكرر
يردد المسؤولون الأميركيون مبررات مألوفة للحرب، إذ يحذرون من البرنامج النووي الإيراني ومن خطر الصواريخ الإيرانية على الأمن الأميركي. ويذكّر المقال بأن الخطاب ذاته استخدم قبل غزو العراق عام 2003 عندما تحدثت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن أسلحة دمار شامل لدى نظام صدام حسين.
انتهت تلك الحرب بكشف زيف المبررات الأساسية التي بُنيت عليها، بينما خلفت آثاراً كارثية تمثلت في مئات آلاف الضحايا، وفوضى إقليمية عميقة، وتراجع مصداقية الغرب في العالم. ويرى المقال أن السيناريو الحالي يعيد إنتاج الخطاب ذاته، إذ تجري المفاوضات الدبلوماسية في العلن بينما تتحرك القوات العسكرية في الخفاء.
تشير الكاتبة إلى أن إيران أبدت خلال محادثات في عُمان وجنيف استعداداً لخفض نسبة تخصيب اليورانيوم وقبول رقابة دولية واسعة. ومع ذلك استمرت التحضيرات العسكرية، ثم جاءت الضربات التي استهدفت قيادات سياسية وعسكرية إيرانية وقصفت مواقع داخل البلاد، بينما صوّر الخطاب الغربي إيران باعتبارها المعتدية.
قراءة مختلفة للتاريخ العسكري
يتناول المقال أيضاً الصورة التاريخية التي تقدم إسرائيل بوصفها قوة عسكرية لا تُقهر. وترى الكاتبة أن هذه الصورة تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، إذ لم تواجه إسرائيل في حرب عام 1948 جيشاً عربياً موحداً كما يُصوَّر لاحقاً في الروايات الشائعة.
عاشت دول عربية عدة آنذاك تحت تأثير الاستعمار الأوروبي أو في مراحله الأخيرة، كما خضع جيش شرق الأردن لقيادة بريطانية مباشرة بقيادة الضابط غلوب باشا. وسعت القيادة الأردنية في تلك المرحلة إلى تثبيت سيطرتها على الضفة الغربية أكثر من خوض حرب شاملة دفاعاً عن فلسطين.
واجه الجيش المصري بدوره أزمات تنظيمية حادة خلال الحرب نفسها، وظهرت لاحقاً فضيحة الأسلحة الفاسدة التي أثارت غضباً واسعاً في مصر وأسهمت في سقوط النظام الملكي. أما المقاتلون الفلسطينيون فخاضوا المعارك في كثير من الأحيان دون دعم عسكري كافٍ أو قيادة عربية موحدة.
وتوضح الكاتبة أن حرب عام 1967 حُسمت سريعاً نتيجة ضربة جوية إسرائيلية مباغتة دمّرت سلاح الجو المصري في ساعات قليلة، ما منح إسرائيل تفوقاً حاسماً في المعركة. كما تشير إلى أن حرب 1973 كسرت جزئياً أسطورة التفوق المطلق عندما نجح الجيش المصري في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بجسر جوي ضخم لدعم إسرائيل.
مواجهة مختلفة هذه المرة
يؤكد المقال أن المواجهة مع إيران تختلف جذرياً عن الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. فقد اعتادت واشنطن خوض حروب ضد دول ضعيفة أو حركات مسلحة متفرقة كما حدث في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.
أما إيران فتملك مقومات دولة إقليمية كبيرة، تشمل عمقاً جغرافياً واسعاً وسكاناً كثراً ومؤسسات عسكرية متماسكة وترسانة صاروخية ضخمة. كما طورت طهران صناعات عسكرية محلية وطائرات مسيّرة وبنية دفاعية معقدة رغم العقوبات الاقتصادية الطويلة.
تشير الكاتبة إلى أن النظام الإيراني نشأ من ثورة حملت شعارات استقلالية قوية ضد النفوذ الغربي، واستطاع خلال عقود من الضغوط والعقوبات بناء قدرات عسكرية وسياسية مستقلة نسبياً. ولذلك ترى أن التقليل من شأن القيادة الإيرانية أو تصويرها بصورة نمطية لا يعكس فهماً حقيقياً لطبيعة الدولة الإيرانية.
وتخلص الغنوشي إلى أن الحرب مع إيران لا تمثل مواجهة مع دولة معزولة فحسب، بل صداماً مع شبكة النفوذ الأميركي بأكملها في الشرق الأوسط، بما يشمل القواعد العسكرية الأميركية الممتدة من الخليج إلى العراق. وقد يدفع هذا الصراع إلى إعادة رسم توازنات القوة العالمية، وربما يعجل بتراجع الهيمنة الأميركية في النظام الدولي.
https://www.middleeasteye.net/opinion/how-iran-war-may-accelerate-fall-us-empire

